عودة النفط إلى الدولة السورية.. تحول عسكري واقتصادي
في تطورٍ ميداني قد يُعيد رسم خريطة الطاقة في سوريا، أعلنت قوات الجيش السوري سيطرتها على اثنين من الحقول النفطية في محافظة الرقة، هما “صفيان” و”الرصافة”، بالإضافة إلى عقدة الرصافة الحيوية وجسر شعيب الذكر. ومع هذا التقدم، بدأت وحدات الجيش بالزحف نحو مطار الطبقة العسكري من عدة محاور، في تحرك وُصف بـ”الاستراتيجي” لا بـ”التكتيكي”.
وقال وزير الطاقة محمد البشير في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن “تقدم الجيش العربي السوري غرب الفرات واستعادة السيطرة على عدد من المناطق الحيوية مكّن الدولة من استلام عدد من المرافق الاستراتيجية”.
البشير أكد أن: المؤسسات المختصة باشرت استلام المرافق والمنشآت الحيوية مثل حقول النفط ومحطات الضخ، لضمان استمرارية العمل والمحافظة على تقديم الخدمات بشكل مستدام.
النفط والنقد
حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية لم يتأخر في الإضاءة على أهمية اللحظة. وفي منشور له على منصات التواصل، أكّد أن “عودة موارد الدولة إلى الإطار المؤسسي تشكّل مدخلاً ضرورياً لاستعادة التوازن النقدي وتعزيز فاعلية أدوات الإدارة المالية”، مضيفاً أن السيطرة على الحقول النفطية “تُعيد ضخ السيولة إلى القنوات الرسمية”، بما يعيد ترتيب أوراق السياسة النقدية.
خارطة طريق غاز ونفط سوريا.. من الدمار إلى الإعمار
الحصرية أوضح، في منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، أن انتظام تدفقات الموارد الوطنية ضمن القنوات المؤسسية يتيح للسلطة النقدية توسيع أدواتها في إدارة الكتلة النقدية، وتحسين القدرة على ضبط السيولة، ودعم الاستقرار النقدي.
أهمية الموقع
الحقول النفطية المستعادة ليست بالكبيرة من حيث الإنتاج؛ لكنها تحتل موقعاً لوجستياً بالغ الأهمية على خطوط الإمداد الممتدة من الحسكة ودير الزور شمالاً إلى مصفاة حمص وسط البلاد. هذه الحقول، بحسب خبير الطاقة رياض النزال، “ذات أهمية استراتيجية أكثر من قيمتها الإنتاجية المباشرة” لأنها تحتضن عقدة ضخ بترول الرصافة على خط نقل النفط الخام الأساسي المتدفق من الشمال الشرقي إلى مصفاة حمص.
يمتد هذا الخط من منطقة تل عدس في منطقة الرميلان الذي يجمع نفط محافظة الحسكة من الحقول الأساسية مروراً بمنطقة الجبسة جنوب الحسكة ثم إلى منطقة الرصافة جنوب الرقة وصولاً إلى المصفاة.
ويلفت النزال إلى أن محافظة الرقة تُعدّ بوابة حيوية لحقول النفط السورية الأساسية، حيث يربط الخط الناقل مناطق إنتاج النفط الرئيسية في ريف المحافظة والحسكة ودير الزور مع المصفاة. وأضاف النزال أن محطة سد الفرات لتوليد الكهرباء، بطاقة تصل إلى 880 ميغاواط/ساعة، تعكس أيضاً أهمية الرقة في أمن الطاقة السوري.
تُعدّ عملية إعادة هيكلة قطاع النفط في سوريا من أكثر الملفات تعقيداً، ويُعزى ذلك إلى عمليات الاستغلال العشوائي والدمار الشامل الذي طال البنية التحتية للحقول النفطية، بدءاً من رؤوس الآبار ومروراً بمحطات الضخ والمعالجة والتجميع. فضلاً عن وقوع معظم المناطق النفطية ضمن محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، التي تخضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مما جعلها بيئة غير آمنة تُعيق عمليات تقييم الأضرار وإعادة التأهيل والاستثمار.
سوريا والنفط.. إرث الماضي ورهان المستقبل
ويُعدّ الاستقرار السياسي والأمني عاملاً حاسماً لتمكين “الشركة السورية للنفط” والشركات الأجنبية التي كانت تعمل في الحقول سابقاً من رفع حالة القوة القاهرة والعودة إلى الاستثمار.
وأضاف الحصرية أن سيطرة الجيش السوري على حقلَي “صفيان” و”الثورة” النفطيين تُعدّ بمثابة خطوة “نحو عودة الموارد الاقتصادية لكامل الجغرافية السورية إلى الإدارة الرسمية للدولة، وخطوة نوعية على صعيد تعزيز السيادة المالية والنقدية”. وأضاف أن ذلك يشكّل “عاملاً أساسياً إضافياً للنجاح في تحقيق الأهداف الاستراتيجة من إطلاق العملة الوطنية الجديدة ويمضي بها لمرحلة متقدمة وبما يساهم في إعادة هيكلة المنظومة النقدية، ضمن أسس مهنية واقتصادية مدروسة”.
منذ الإطاحة بنظام الأسد، سارعت سوريا لتأهيل البنية التحتية الخاصة بمصافي وخطوط النفط، مستهدفةً زيادة إنتاج الوقود. تمتلك البلاد مصفاتين كبيرتين للنفط، وهما “بانياس” التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 120 ألف برميل يومياً، ومصفاة “حمص” التي تبلغ طاقتها 100 ألف برميل يومياً.
بلغ إنتاج سوريا النفطي نحو 400 ألف برميل يومياً في الفترة بين عامي 2008 و2010، بينما بعد نشوب الحرب هوى الإنتاج ليصل إلى حوالي 15 ألف برميل يومياً في 2015، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وفي عام 2023 وصل إنتاج النفط الخام أقل من 30 ألف برميل يومياً.