العقوبات والقطاع المصرفي السوري: كيف أعادت العزلة المالية تشكيل الاقتصاد… وما الذي تغيّر بعد تخفيف 2025؟
دمشق | لندن | أمستردام
على مدى أكثر من عقد، لم تكن العقوبات على سوريا مجرد قوائم أسماء، بل كانت قبل كل شيء عقوبات على القدرة على الدفع: قدرة المصارف على فتح اعتمادات، استقبال تحويلات، تسوية المدفوعات دوليًا، والحفاظ على علاقات مراسلة (Correspondent Banking). والسبب بسيط: أي اقتصاد، حتى إن امتلك موارد، يختنق عندما يُفصل عن شبكة المدفوعات الدولية.
من الناحية القانونية والتنظيمية، مثّلت القيود الأوروبية مثالًا واضحًا على “فصلٍ مصرفي” ممنهج: إذ حظرت لوائح الاتحاد الأوروبي على البنوك والمؤسسات المالية في أوروبا إنشاء علاقات مراسلة أو مشاريع مشتركة مع مصارف في سوريا.
ومع اتساع “الامتثال الخائف” عالميًا (De-risking)، لم تعد المشكلة في النصوص فقط، بل في تردد البنوك العالمية عن التعامل مع أي طرف سوري خوفًا من المخاطر والغرامات.
2) الأثر الأول: انهيار علاقات المراسلة… ثم موت أدوات التجارة
أ) تجفيف التجارة الرسمية
حرمان المصارف السورية من علاقات المراسلة يعني عمليًا:
- صعوبة/استحالة فتح اعتمادات مستندية (L/Cs)
- ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد (رسوم أطراف وسيطة، “عمولات مخاطرة”، أطوال زمنية)
- انتقال قطاع واسع من التجارة إلى قنوات غير مصرفية (وسطاء، شركات صرافة، ترتيبات نقدية)
بعبارة اقتصادية: العقوبات حولت التجارة الخارجية من “نظام مصرفي قابل للتتبع” إلى “سوق وسطاء” أعلى كلفة وأقل شفافية.
ب) توسع اقتصاد الكاش و”بدائل المصارف”
بفعل العزل المالي، تراجعت الثقة بالوساطة المصرفية المحلية، واتسع الاعتماد على:
- شركات الصرافة والتحويل
- شبكات الحوالة
- الدفع النقدي المباشر
هذه التحولات ليست تفصيلًا، لأنها أضعفت قدرة الدولة على السياسة النقدية والرقابة الضريبية، ورفعت مخاطر غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
3) الأثر الثاني: شلل التحويلات الرسمية وارتفاع “ضريبة المخاطر”
التحويلات (Remittances) كانت تاريخيًا شبكة الأمان الأهم للأسر، لكن القيود المصرفية جعلت التحويل الرسمي:
- أبطأ
- أعلى كلفة
- وأكثر عرضة للإيقاف/التدقيق
ومع الوقت تشكلت “ضريبة مخاطر” غير معلنة تُدفع عبر أسعار صرف غير مواتية، أو عمولات وسطاء، أو اقتطاعات غير رسمية. وهذا ساهم في انتقال جزء كبير من التحويلات إلى قنوات غير مصرفية.
4) الأثر الثالث: أزمة سيولة داخلية ومؤشرات تدهور نقدي
العقوبات وحدها لا تفسر كل شيء، لكنها سرّعت تدهور السيولة عبر تعطيل الدورة الخارجية للعملة (تدفق/خروج) وإضعاف الثقة.
تُشير تقارير البنك الدولي إلى أزمة سيولة شديدة بعد 2024–2025، مع استمرار قيود محلية مثل حدود السحب الأسبوعية وتعليق بعض المدفوعات الإلكترونية وتأخر الرواتب، ما ضغط على توافر النقد
كما وثّقت تقارير للبنك الدولي أن الليرة السورية فقدت نحو 69% من قيمتها في السوق الموازية بحلول يونيو/حزيران 2024 مقارنة بعام سابق، بينما ارتفعت كلفة سلة الغذاء الدنيا بشكل كبير.
هذه أرقام مهمّة لأنها تربط العقوبات (العزلة) بالنتيجة الاقتصادية (سعر الصرف/التضخم/القدرة الشرائية) عبر قناة واحدة: شح العملات + ارتفاع كلفة الاستيراد + توسع السوق الموازية.
5) كيف استجابت المصارف السورية للعقوبات؟ “تكيفٌ مكلف” أكثر منه إصلاح
يمكن تلخيص استجابات القطاع المصرفي (والمنظومة المالية ككل) في أربعة مسارات:
(1) الالتفاف التجاري عبر دول ثالثة و”مستوردين واجهة”
اعتمد مستوردون وشركات على وسطاء إقليميين لإتمام المدفوعات خارج سوريا، بينما تُسوّى داخليًا نقدًا أو عبر ترتيبات صرافة. هذا الأسلوب خفّف توقف التجارة، لكنه رفع كلفتها وأضعف الشفافية.
(2) توسع دور شركات الصرافة والتحويل
لأنها أكثر مرونة وأقل ارتباطًا بالبنوك الدولية، أصبحت شركات التحويل محورًا، لكن ذلك جاء على حساب:
- فقدان تتبع التدفقات
- رفع مخاطر الامتثال
- زيادة الاعتماد على أسعار سوقية غير مستقرة
(3) “امتثال دفاعي” داخل المصارف
في بيئة عقوبات، تتجه المصارف إلى تشديد إجراءاتها على العملاء لتقليل المخاطر (KYC/AML)، لكن بدون وصول طبيعي للنظام الدولي يصبح الامتثال تكلفة بلا عائد: تدقيق أكثر، خدمات أقل.
(4) انكماش الوساطة المالية وركود الائتمان
عندما تتعطل التجارة ويزداد عدم اليقين ويضعف سعر الصرف، تنخفض شهية الإقراض وتتراجع الاستثمارات. وهذا يضرب وظيفة المصارف الأساسية: تحويل المدخرات إلى تمويل إنتاج.
6) منعطف 2025: تخفيف العقوبات وعودة “نافذة” للربط المالي
عام 2025 شهد تحولًا مهمًا (سياسيًا واقتصاديًا) انعكس على العقوبات:
- الاتحاد الأوروبي أعلن في فبراير/شباط 2025 تعليق/تعليق جزئي لإجراءات في قطاعات بينها المصارف، بما شمل تجميد أصول بعض المصارف وتخفيف قيود على البنك المركزي في سياق دعم التعافي.
- ثم في 28 مايو/أيار 2025 أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي اعتماد أعمال قانونية لـرفع القيود الاقتصادية (مع استثناءات مرتبطة بأسباب أمنية).
- وفي الولايات المتحدة، أوضح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC أنه اعتبارًا من 1 يوليو/تموز 2025 لم يعد محظورًا على “الأشخاص الأمريكيين” تقديم خدمات مالية لسوريا أو إنشاء علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية سورية بشرط عدم وجود أطراف على قائمة SDN.
هذه ليست تفاصيل تقنية: هي تعني أن “العائق القانوني” تراجع جزئيًا، لكن بقي “العائق التجاري” (الخوف والامتثال) قائمًا.
7) لماذا لم تعُد المصارف فورًا إلى طبيعتها رغم التخفيف؟
العودة إلى النظام المالي العالمي لا تتم بقرار سياسي فقط. هناك 3 عوائق عملية:
أ) إرث “إلغاء المخاطر” De-risking
حتى عندما يصبح التعامل قانونيًا، قد ترفض بنوك عالمية الدخول لأن تكلفة الامتثال أعلى من العائد. تقرير تحليلي حول المصارف السورية يوضح كيف تُثقل ملكيات/مساهمات محفوفة بالمخاطر كلفة الامتثال وتعيق بناء علاقات مراسلة.
ب) البنية التحتية للامتثال والشفافية
المصارف العالمية تريد:
- بيانات واضحة عن المالكين الحقيقيين (Beneficial Ownership)
- مكافحة غسل الأموال AML
- ضوابط مخاطر وتشغيل
أي ضعف هنا يجعل العلاقة “غير مجدية تجاريًا”.
ج) قيود نقدية محلية وأزمة سيولة
حتى لو فُتحت قناة مراسلة، فإن الاقتصاد يحتاج سيولة واحتياطيات وإدارة نقدية مستقرة. البنك الدولي أشار إلى استمرار أزمة السيولة والقيود الداخلية حتى مع بعض تحسن سعر الصرف في 2025 (ارتفاع بنحو 29% بين أواخر نوفمبر 2024 وأغسطس 2025 وفق تقريره).
8) ماذا يعني ذلك للقطاع المصرفي في 2026؟ ثلاثة سيناريوهات
السيناريو 1: “انفراجة مراسلة تدريجية”
عودة محدودة لعلاقات مراسلة عبر بنوك إقليمية/أوروبية متخصصة، تُترجم إلى:
- تحسن التحويلات الرسمية
- انخفاض كلفة التجارة
- بداية تعافي الائتمان التجاري
السيناريو 2: “نافذة قانونية… مع بقاء الانسحاب التجاري”
القوانين تخفف، لكن البنوك العالمية تبقى مترددة. النتيجة:
- استمرار الاعتماد على الصرافة والوسطاء
- تحسن محدود في الأسعار
- بقاء تشوهات السوق
السيناريو 3: “عودة جزئية ثم انتكاسة”
إذا تعثرت الإصلاحات أو ارتفعت المخاطر السياسية/الأمنية، قد تعود حالة الانكماش بسرعة.
9) توصيات سياساتية عملية: ماذا يحتاج القطاع المصرفي لاستعادة دوره؟
- خارطة امتثال وطنية: تحديث قواعد AML/KYC وربطها بإجراءات تنفيذية قابلة للتدقيق.
- شفافية ملكية المصارف: الإفصاح عن المالكين الحقيقيين ومراجعة هياكل المساهمة التي تثير مخاطر العقوبات.
- إطار لضمان التحويلات الإنسانية والتجارية: خطوط دفع واضحة تُخفّف خوف البنوك.
- إدارة سيولة ونقد: إصلاح القيود الداخلية تدريجيًا وإعادة بناء الثقة بالقطاع.
- استعادة الثقة الدولية عبر خطوات قابلة للقياس: تقارير دورية، تدقيق مستقل، قنوات تواصل امتثال مع مراسلين محتملين.
خاتمة
العقوبات على القطاع المصرفي السوري لم تكن مجرد “حظر” بل كانت إعادة هندسة قسرية للاقتصاد: نقلت التجارة والتحويلات من المصارف إلى الوسطاء، ورفعت كلفة المعاملات، ووسّعت اقتصاد الكاش، وأضعفت السياسة النقدية. وفي 2025 فُتحت نافذة تخفيف مهمة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن العودة المصرفية الكاملة ستظل رهينة الامتثال والشفافية والسيولة—لا السياسة وحدها.