ممر إقليمي جديد يعيد ربط تركيا بسوريا والأردن.. ما أثره على التجارة؟

الاتفاق يهدف لرفع كفاءة عمليات النقل وتطوير البنية التحتية لنقل البضائع والأشخاص بما يشمل النقل البري والجوي

الشرق بلومبيرغ

اتفقت تركيا وسوريا والأردن على تسهيل حركة البضائع والأشخاص عبر ممر بري مشترك، في خطوة تهدف إلى خفض كلفة النقل، وتحسين الربط الإقليمي، بعد أكثر من عقد من تعطل الطرق البرية.

الاتفاق، الذي أُعلن عنه بعد توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية أمس الأحد، يشمل تطوير البنية التحتية للنقل البري والجوي، مع التركيز على إحياء خطوط السكك الحديدية وتبني أنظمة نقل ذكية، وتوحيد المعايير التنظيمية.

يأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه الدول الثلاث إلى تعزيز سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على الشحن البحري، في ظل ارتفاع التكاليف وتأخر الشحنات. وتشير بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) إلى أن تكاليف التجارة في المنطقة العربية تبلغ 148% من قيمة البضائع، وهي من بين الأعلى عالمياً.

بديل نحو الأسواق الأوروبية

يرى محللون أن إعادة تشغيل الممر يمكن أن يخلق بديلاً أرخص وأكثر كفاءة، مع إمكانيات لربط الأسواق الأوروبية بالخليج عبر تركيا وسوريا والأردن، إضافة إلى دعم قطاعات الخدمات اللوجستية والتخزين والتصنيع المشترك.

في الأردن، يُتوقع أن يفعل الاتفاق دور المملكة كنقطة ربط بين البحر الأحمر والأسواق الإقليمية، عبر ميناء العقبة وشبكة الطرق القائمة. وفي سوريا، يشكل المشروع عنصراً محورياً في جهود إعادة دمجها في الاقتصاد الإقليمي، رغم التحديات اللوجستية. كما تسعى تركيا من جانبها لتأمين ممرات برية مباشرة إلى أسواق الشرق الأوسط، ضمن مشروعها لإحياء “طريق الشرق الأوسط”، الذي يُتوقع تشغيله تدريجياً العام الحالي.

اقرأ أيضاً: سوريا تتعاقد على شراء غاز من الأردن بـ800 مليون دولار سنوياً

ويشمل الاتفاق توحيد المعايير والمواءمة التنظيمية، وتعزيز التحول الرقمي وأنظمة النقل الذكية، إضافة إلى إشراك القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات في البنية التحتية، وهي عناصر تُعد أساساً لبناء ممرات نقل إقليمية مستدامة. كما نصت المذكرة على تشكيل لجنة وزارية مشتركة تضم وزراء النقل والجهات المعنية في الدول الثلاث، لتكون جهة تنسيقية رفيعة المستوى تشرف على تنفيذ الاتفاق وتقديم التوجيه الاستراتيجي.

خفض الكلفة وتكامل سلاسل الإمداد

يرى أحمد عوض، مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية في عمّان، أن الاتفاق الثلاثي في مجال النقل “يُمثل خطوةً استراتيجيةً نحو إعادة بناء ممر إقليمي عابر يربط المشرق العربي بالشبكات الأوروبية عبر الأراضي التركية”، مشيراً في تصريح لـ”الشرق” أن ارتباط تركيا المتقدم بشبكات الطرق والسكك الحديدية الأوروبية يتيح مستقبلاً نقل البضائع القادمة من الأردن عبر سوريا إلى الأسواق الأوروبية بوقت وتكلفة أقل مُقارنةً بالمسارات البحرية الطويلة.

اقرأ أيضاً: مستثمرون من السعودية وتركيا وألمانيا مهتمون بإنشاء مصانع في سوريا

على المستوى الاقتصادي، من شأن هذا الربط أن يُسهم في خفض تكاليف النقل وتقليص زمن الشحن، بحسب عوض، الذي أشار إلى أن تنشيط حركة العبور قد يدعم أيضاً الاستثمارات في مجالات الخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والمناطق الصناعية.

ولا يقتصر الأثر على التبادل التجاري المباشر، إذ يرى عوض أن توحيد المعايير والمواءمة التنظيمية والتحول الرقمي في أنظمة النقل “يهيئ الأرضية لتشكيل سلاسل قيمة إقليمية”، تتوزع فيها مراحل الإنتاج والتجميع والتصدير بين الدول الثلاث، بدلاً من الاكتفاء بعلاقات تجارية تقليدية قائمة على الاستيراد والتصدير.

من جانبه، يقول أومود شوكري، عضو هيئة التدريس في جامعة جورج ميسون الأميركية إن الربط الثلاثي سيحقق “مكاسب اقتصادية ملموسة لجميع الأطراف”، موضحاً أن تركيا ستعزز موقعها كمركز لوجستي إقليمي، ما يدعم صادراتها ويزيد إيرادات العبور، في حين ستستفيد سوريا من رسوم الترانزيت وفرص العمل المرتبطة بإعادة الإعمار والخدمات اللوجستية، إلى جانب استعادة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والأوروبية.

أما بالنسبة للأردن، يرى شوكري أن الاتفاق من شأنه خفض تكاليف النقل وتحسين وصول الصادرات عبر تركيا، مع تعزيز دور ميناء العقبة كبوابة إقليمية للتجارة.

ربط مباشر بين تركيا والمنطقة

بالنسبة لتركيا، يندرج الاتفاق ضمن مساعي أنقرة لتأمين ممرات برية أكثر مباشرة نحو أسواق الشرق الأوسط والخليج، بما يُخفف الاعتماد على المسارات البحرية ويعزز موقعها كمركز عبور بين أوروبا والمنطقة.

وزير التجارة التركي عمر بولات، كان قد أعلن في نوفمبر 2025 عن مشروع إحياء “طريق الشرق الأوسط”، كممر بري يربط تركيا بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية ودول الخليج ومصر، متوقعاً دخوله الخدمة عام 2026 بعد معالجة تحديات تشغيلية تتعلق بالبنية التحتية والإجراءات التنظيمية.

اقرأ أيضاً: تركيا تعتزم توقيع اتفاق لإنشاء محطة طاقة شمسية في الخليج

بولات أكد في تصريحات لوكالة “الأناضول” حينها أن هذا الطريق سيُمكن الشاحنات التركية من العبور إلى الأردن ودول الخليج، معتبراً إياه أحد المحاور الأساسية لتعزيز حركة التجارة الإقليمية بعد سنوات من تعطل الممرات البرية. كما أشار إلى وجود رغبة مشتركة بين تركيا والأردن لإصلاح وتجديد خط سكة حديد الحجاز التاريخي، ضمن مساع لإعادة تفعيل النقل الحديدي في المنطقة، سواء لنقل البضائع أو الركاب.

وبدوره يرى دينيز إستقبال، الأستاذ في جامعة إسطنبول ميديبول، أن تركيا وسوريا والأردن “تمتلك إمكانات كبيرة للتجارة البينية، لكن سنوات الصراع أضعفت فرص التعاون بين الأطراف”، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري الحالي بين الدول الثلاث عند نحو 5 مليارات دولار، ما يضعه “دون الإمكانات الحقيقية”، وبالتالي فإن استعادة الاستقرار في سوريا تفتح المجال لتوسيع هذا التبادل عبر ممرات نقل جديدة، وربما من خلال اتفاقات تجارة حرة في مراحل لاحقة.

في سوريا.. ممرات التعافي الاقتصادي

أما في سوريا، فتكتسب هذه الخطوة بعداً اقتصادياً يتجاوز قطاع النقل، إذ تمثل جزءاً من مسار إعادة دمجها تدريجياً في شبكات التجارة الإقليمية، بعد سنوات من العُزلة وتعطل البنية التحتية وممرات العبور.

بحسب تقارير صادرة عن “الإسكوا”، فإن إعادة تفعيل هذه الممرات البرية تشكل عنصراً محورياً لأي تعاف اقتصادي مستدام في الدول الخارجة من نزاع، نظراً لدورها في تحفيز التجارة، والخدمات اللوجستية والأنشطة المرتبطة بالنقل، إضافة إلى توفير إيرادات عبور سريعة الأثر.

اقرأ أيضاً: استثمار تركي في سوريا لتطوير صناعة السفن بـ190 مليون دولار

وتبرز سكة حديد الحجاز التاريخية بوصفها أحد رموز الربط الإقليمي التي امتدت من دمشق إلى المدينة المنورة، وكانت حلقةً أساسيةً في شبكة نقل إقليمية، قبل أن تفقد وظيفتها العابرة للحدود على مدى عقود، فيما أدى اندلاع الأزمة السورية إلى توقف جزء كبير من خدمات السكك الحديدية داخل البلاد، ما زاد من عزلة بنيتها التحتية.

وفي تصريحات تلفزيونية سابقة، قال وزير النقل السوري يعرب بدر إن سوريا تحتاج إلى استثمارات تُقدر بنحو 5.5 مليار دولار لإصلاح وتطوير شبكة السكك الحديدية وفق المعايير الدولية، مضيفاً أن 1052 كيلومتراً فقط من أصل 2800 كيلومتر من شبكة السكك الحديدية في سوريا هي قيد الخدمة حالياً.

ويرى عوض أن إعادة تفعيل خط سكة حديد الحجاز وربطه بالشبكات التركية “يفتح المجال لإنشاء مسار متكامل يمتد من العقبة على البحر الأحمر مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا وأوروبا“، مع إمكانية توسع هذا المسار لاحقاً ليشمل دولاً أخرى عبر ممرات نقل متعددة الوسائط، لافتاً إلى أن العائد الاقتصادي طويل الأجل قد يجعل المشروع مجدياً رغم كلفته المرتفعة في المدى القصير.

الأردن في قلب الممر

يبرز الأردن في قلب هذا الاتفاق حلقة ربط تشغيلية بين أطراف الممر، مستفيداً من شبكة الطرق البرية وميناء العقبة كنقطة تحويل بين النقل البري والبحري، ما يمنح الممر بُعداً عملياً قابلاً للتشغيل.

يرى جواد العناني، نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق للشؤون الاقتصادية ووزير دولة لشؤون الاستثمار سابقاً أن الاتفاق “يُمثل عودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل تعطل هذا الخط”، موضحاً أن الممر كان يربط أوروبا عبر تركيا بسوريا ثم الأردن ودول الخليج، وشكل لسنوات رافعة أساسية لتجارة الترانزيت في المنطقة.

اقرأ أيضاً: لبنان والأردن وسوريا بصدد تحديث اتفاقية ربط الكهرباء

كما أضاف العناني، في تصريح لـ”الشرق”، أن إعادة فتح هذه القنوات “ستعود بالفائدة على جميع الأطراف”، ليس فقط من حيث التجارة، بل أيضاً عبر تنشيط ميناء العقبة، وتسهيل حركة البضائع نحو الخليج والعراق، وتعزيز قدرة الاقتصاد السوري على التواصل مع دول الجوار في مرحلة إعادة البناء، معتبراً أن قطاع النقل يبقى “أحد أهم القطاعات القادرة على توليد أثر اقتصادي سريع”.

شاركت في التغطية ريهام الشايب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *